مدونة دواير

محدش بياكلها بالساهل – الجزء الثاني

ده الجزء التاني من المقال. في الجزء الأول اتكلمت عن ظاهرة هجوم البلدية على الباعة الجائلين. وهو مشهد متكرر في مناطق وسط القاهرة. وفي الجزء ده هتكلم عن تجربتي الشخصية مع مشهد من المشاهد دي، حصللي يوم 7 أبريل

ميدان الجيزة، واحد من أكبر مناطق تمركز الباعة الجائلين. في مقال جاي، هتكلم عن نقاط الجذب بالنسبة للباعة الجائلين، وعلاقتها بجغرافية المكان وتوزيع السكان. المهم إن ميدان الجيزة من أهم الأماكن دي. مريت من قدام جامع النور في وسط الميدان. وقدام الجامع ده تمركز كبير من البياعين على شكل صفوف. يتقدمهم في الصف الأمامي بياعين الاسطوانات المنسوخة. حسيت بدربكة عند البياعين ونظرات تائهة في جميع الاتجاهات. ولكنها تركزت في النهاية في اتجاه واحد. عربية البوكس. يبدو إن جاتلهم إخبارية إن عربية البوكس جاية. بس الإخبارية جت متأخرة شوية

الميدان كله اتقلب رأساً على عقب. وفي اللحظة دي كنت معدي من قدام بياعين الاسطوانات اللي بدأو يلموا فرشتهم ويرجعوا بيها لورا. فكرت هيهربوا بيها على فين. يمكن رجوعهم لورا والتصاقهم بالجامع ممكن يديهم نوع من أنواع الحماية المعنوية. يمكن في بالهم إن البوكس مش هيقرب منهم لو وقفوا جمب الجامع. وقفت أتأمل الموقف. لقيت واحد كبير بجلابية، ودقنه طويلة وكبيرة وجسمه ضخم. وقف قدام الناس اللي كانت فارشة، وشه ليهم وظهره للميدان وعربية البوكس. وكان بيشاورلهم إنهم يهدوا، ومحدش يرجع ببضاعته لورا أو يهرب بيها. توجهت كل نظراتهم في اتجاهه، وكأنه قائدهم الملهم. وبعد قليل من التردد، استجابوا لأوامره. وثبتوا في أماكنهم. وأعينهم مشتتة بين مراقبة عربية البوكس من بعيد، وبين النظر لزعيمهم الملهم الذي منحهم الثقة والشعور بالأمان. يبدو أن هذا الزعيم الملهم، شعر بتوجسهم وثقتهم الغير كاملة في شخصه. فاستدار وأشار لعربية البوكس بيده. وفي غضون ثواني، كانت عربية البوكس منطلقة

شعور عارم من الفرحة والاطمئنان انتاب الباعة المتواجدين أمام الجامع. ربنا عداها على خير. ولكني تأملت الموقف. وبحثت له عن تفسير. وبدون لف ودوران، السبب واضح ومحدد ولا ينكره أحد. هناك اتفاق متبادل بين الطرفين على التغاضي عن إشغال الطريق وعدم مصادرة البضائع في مقابل نسبة من أرباح البائعين يتم تحصيلها من حين لآخر لصالح ضباط وعساكر البلدية

استمررت في متابعة عربية البوكس. وفي داخلها ضابط يبدو أنه لم يشبع رغبته في الانقضاض على إحدى فرائسه، ومص دمها. فأشار بيده لسائق العربية في اتجاه آخر من الميدان. يبدو أنه في طريقه لاقتناص صيد ثمين. جريت مسرعاً حيث أشار هذا الضابط، حتى ألحق بالمشهد من أوله، وأتابعه عن قرب

في لحظة واحدة، وجد أحد باعة الشرائط الكاسيت نفسه في مواجهة عربية البوكس. والعساكر يقفزون منها، ويهمون بالتهام كل شيء. وفي المقعد الأمامي للسيارة. جلس الضابط وهو يدخن سيجارة، وتبدو عليه مشاعر الرضا والارتياح. ومن حين لآخر يلقي بنظرة ساخرة على المشهد. وعلى الناس المتجمعين لمشاهدة الحدث. وكأنه يثبت رجولته أمام الجميع بما يفعله

تعلقت عيناي بهذا الشاب الذي لم يتجاوز العشرين من عمره. والذي وقف وحيداً يحمي بضاعته في وجه المغول القادمين إليه. وما هي إلا ثواني، حتى كانت الفرشة بين طرفين. عسكريين يجذبونها من طرف، والشاب يسعى جاهداً لأن يمنعهم من ذلك في الطرف الآخر. وفي وسط كل هذا تتبعثر الشرائط. وتقع على الأرض. والنزاع قائم على الفرشة بحمولتها الضخمة. ترنو من عيني الشاب نظرة حزينة للشرائط المكسرة التي وقعت على الأرض. وشعور بالألم والحسرة يختلط بدمعة متحجرة في عينيه. ولكنه يتمالك نفسه ويعود ليمسك في طرف فرشته كي يمنعهم من أخذها ووضعها فوق سيارة البوكس

الشاب، وعلى الرغم من ضعف بنيته، كان قادراً على أن يحافظ على فرشته أكبر وقت ممكن في وجه تلك الوحوش المفترسة. أدركت سر قوته. إنه التمسك بلقمة العيش. أنه الخوف من المجهول بعد ان تضيع فرشته وتلتهمها تلك الانياب المفترسة. لم يمر وقت طويل حتى نزل عسكريين آخرين من فوق البوكس، وهما بمساعدة زميليهما. وبدأت الكفة تميل لصالح الوحوش

في هذا الوقت. بدأت تظهر على ملامح الضابط مشاعر القلق. إنه قلق من تجمهر الناس واقترابهم من المشهد أكثر وأكثر. ويبدو انه لو انتظر قليلاً. سيبدأ الناس في التدخل لإنقاذ الشاب المسكين. ولكن هؤلاء الضباط يعرفون ما يجب فعله. إنهم مثل الذئاب التي تنهش من الغنم القاصية. وإذا تجمع الناس فإنها تسعى لالتهام الفريسة بسرعة أو الهرب بجثتها قبل تجمع الناس. هكذا فعل الضابط

عندما بدأت كفة النزاع على الفرشة تميل لصالح وحوش البلدية. عندها بدأ الشاب بالصراخ الممتزج بالبكاء. كل الدموع التي حاول جاهداً إخفائها حتى لا يبدو ضعيفاً. كلها ذرفت من مقلتيه دفعة واحدة. دموع الشعور بالظلم والاضطهاد، والاحساس بقلة الحيلة والعجز في مواجهة الوحوش. الملاحظ أن الشاب لم ينظر أبداً في اتجاه الناس المتجمهرة. فهو متأكد في قرارة نفسه أنهم لن يساعدوه بشيء. وسيكتفون بالفرجة ومصمصة الشفاه، والهمهمات. وبعض الدعاء لهذا الشاب أن ينجيه من هذه الوحوش. وبعضهم سيرمقه بنظرة خاطفة، ويمضي لحال سبيله غير عابيء

في لحظات كان الضابط هابطاً من السيارة ومتوجهاً صوب الشاب. أصدر أوامره للعساكر. أمسكوه كويس. وفي لحظات انهال عليه بالضرب على الوجه. ضربات سريعة ومتتالية. من كل الاتجاهات وبكل قسوة ووحشية.

تراجع الناس للوراء. وتجمد الشاب في مكانه. واختفت الدموع من عينيه. كأنما هو يثبت للجميع أنه رجل، مهما كان عاجزا عن مقاومة هذا الغول المفترس. كأنه يثبت لنا أنه لولا قلة حيلته لعرف كيف يرد على هذه الإهانة. وكان الضابط مستمراً في مهمته المتمثلة في الانهيال ضرباً على وجه الشاب، بكل ما أوتي من قوة، وبسرعة غريبة

طريقة ضرب الضابط للشاب تبدو كما لو كان الضابط مارسها مراراً وتكراراً. يبدو وكأنه درسها في أكاديمية الشرطة. وما أثار استغرابي، هو كيف وصل بالضباط البجاحة بأن يضربوا مواطناً على الملأ وبكل هذه القسوة. هذا الفعل ما كان أن يتم، لولا علمهم أنهم محميون مهما فعلوا. ولولا تأكدهم من أن لا أحد سيحاسبهم ويسألهم عما يفعلون، ولكن تلك قضية أخرى

وفي ثوانٍ معدودة. كان القرار الحاسم من الضابط. لا تكتفوا بمصادرة البضاعة فقط. بل احملوا معكم هذا الشاب فوق البوكس إلى قسم الشرطة، لكي يتم عقابه العقاب المناسب هناك. والسبب معروف، ضباط الداخلية في بلدنا المحروسة لا يتوقعون أبداً أن يقاومهم أحد ويتمسك بحقه، ومن يحاول التمسك بحقه، يجب عقابه العقاب المناسب حتى يظل منكس الرأس ولا يرفعها أبداً في وجه أسياده الوحوش

صعد الشاب إلى البوكس وعلى وجهه ملامح الندم. وكأنه كان يجب أن يضحي بفرشته في مقابل أن ينجو بنفسه. ولكنه كان متمسكاً بمصدر رزقه الوحيد، وحاول الحفاظ عليه في وجه الذئاب. وللأسف خسر كل شيء. ومصيره في قسم الشرطة، لن يخرج عن عدة سيناريوهات. أما أن يتعرض للضرب والتعذيب والإهانة كعقاب له على حرصه على مصدر رزقه. وتوقع عندها كل شيء يمكن أن يفعلوه به. فبعد مشاهد التعذيب في أقسام الشرطة والمنتشرة في كل مكان، توقع أن يتم تعذيبه بكل شكل ممكن، وحتى يتم اشباع رغبات الضباط السادية. وربما بعد هذا التعذيب يقومون بتكسير بضاعته أمام عينيه، إمعاناً في كسر نفسه وإهانته. والأسوأ من هذا أن يقوموا بتلبيسه أي قضية. مخدرات، سلاح، أي شيء. ويكون مصيره السجن لعدة سنوات. ليخرج لنا من السجن شخص ناقم على المجتمع، ومستعد لارتكاب أي جريمة، بعد أن كان يسعى لأكل لقمة عيشه بالحلال قبل عدة سنوات

نعود إلى سيارة البوكس. ويبدو أن الشاب رضي بمصيره، وعرف أن هذا هو قدره. بعدها بدأ الناس في لم بواقي البضاعة المبعثرة التي سقطت على الرصيف، ربما لجمعها، ووضعها كأمانة في الجامع، لحين عودة الشاب من المجهول الذي ذهب إليه. ولكن أحد العساكر أصدر أوامره المحددة والواضحة. محدش يلمس حاجة، سيبوها هنا لحد ميرجع وياخدها. وكأنه يريد لها أن تُسرق، ويعود الشاب فلا يجدها. وللأسف استجاب الناس وابتعدوا. إلا أنا، تظاهرت بأني لم أسمع كلامه وانهمكت في لم باقي الشرايط. عاجلني العسكري بقوله. إنت أطرش؟. وفي هذه الأثناء، جذبني أحدهم من كتفي، وكأنه يقول لي. جدعنتك دي ممكن توديك في داهية. قوم واسمع الكلام أحسن. قمت ورمقت العسكري بنظرة، نقلت فيها كل معاني الاحتقار والاشمئزاز تجاهه، وذهبت مسرعاً لأكمل المتابعة

ذهبت السيارة بعيداً وبسرعة كبيرة في الاتجاه الخلفي للطريق، حتى اختفت من نظري. ولكنها عادت قبل أن أهم بمغادرة الميدان. عادت لالتهام فريسة أخرى لا تبعد كثيراً عن الفريسة الأولى. استطاع الشاب أن يلمح عربية البوكس وهي تتقدم مسرعة في اتجاهه. فأسرع لكي يلم بضاعته ويهرب بها إلى داخل الباب الخلفي للمسجد. ولكن كانت السيارة أسرع من الشاب، وفي ثوانٍ معدودة كانوا أمامه. قفز عسكريين من على ظهر السيارة متجهين صوب هذا الشاب قبل أن يهم بالهروب. في هذه الأثناء، كان بعض الناس يتابعون المشهد، وقرروا التدخل، وكأنهم رفضوا أن يسمحوا بوجود ضحية جديدة لهذه الذئاب، وهم مكتفون بالمشاهدة. توقع ماذا فعلوا؟

الشيء الوحيد الذي استطاعوا فعله. هو المرور من أمام العساكر لعرقلة وصولهم للشاب. وجدت نفسي وسط حشد من الناس. يتظاهر بالمرور من نقطة معينة في مواجهة فرشة الشاب. حتى يتم عرقلة وصول العساكر للشاب. وفي كل مرة يتجاوز العساكر أحد المارة، يصطدمون بآخر. حتى وصلوا لمكان الفرشة. ولكنهم لم يجدوا لا بائعاً ولا بضاعة. فقط بضع اوراق قديمة ممزقة، وملقاة على الأرض. وعملة معدنية صغيرة، انتبهت لوجودها بالصدفة، وأنا أهم بالانصراف

تمت

April 10, 2007 Posted by | عام | Leave a Comment

محدش بياكلها بالساهل – الجزء الأول

لا ملجأ لنا سوى الرصيف، ولا مكسب لنا سوى بيع السلع المعقولة بأسعار بسيطة، ولا بعبع لنا سوى أجهزة الأمن التي تطاردنا أينما عثرت علينا كما لو كنا قتلنا قتيلاً، رغم أن كل جريمتنا أننا نتحمل “التعب والبهدلة” حتى لا تمتد أيدينا للقمة حرام، لكن نقول إيه .. “ما حدش بياكلها بالساهل”، بهذه الكلمات التي تجسد حجم المشكلة الاقتصادية المتفاقمة التي تحاصر ملايين البشر في مصر من فقر ومرض وبطالة ـ أو ما يطلق عليه ثالوث الرعب الاجتماعي ـ عبر “مطاريد” البلدية عن مشاكل الحياة التي يواجهونها بشكل يومي

حيث يحاصر شبح البطالة ملايين الشباب في مصر ويشكل حول أعناقهم حلقة مستحكمة، وحينما وجدوا المَخرج البديل لكسب العيش الحلال طاردتهم جنود الشرطة أو ما يطلق عليهم “البلدية”، وهو مشهد كثيراً ما يتكرر أمام عيوننا في أي مكان وفي أي وقت على أرض مصر وخصوصاً في منطقة وسط القاهرة المختنقة من كثرة الزحام، والسبب وراء ذلك أنهم يتسببوا في إشغال الطريق وتعطيل حركة المرور

قبل إطلالة شمس يوم جديد يستعد كل فرد من هؤلاء الباعة من منزله ليتوجه إلى مكان يرى أنه ممر لكثير من الناس، مما يحقق لبضاعته فرصة أكبر للبيع وبشكل سهل وسريع، ولأنه يعتمد على رزق يومه فليس لديه خطة خمسية أو ثلاثية أو حتى لمدة يومين، يخرج هذا البائع يومياً حاملاً بضاعته إلى أرض الله ليبيع لخلق الله

وبعد أن يرص هؤلاء الباعة بضاعتهم على الأرصفة، أي كانت أطعمة أو أدوات مطبخ أو ملابس أو لعب أطفال بشكل يجذب المارة، وتسير حركة الحياة بشكل طبيعي وهادئ، يفيقون على صوت عربة الشرطة أو كما يطلقون عليها – البوكس

وتبدأ في ثوان أسرع عملية “شد الرحال” يمكنك أن تصادفها في حياتك، حيث يجمع البائع طرفي فرشته. إذا كانت من القماش وضعها علي ظهره وفر بها، أو إذا كانت في كارتونة فعليه جمع كل القطع التي بعثرها أمامه فيها بأقصى سرعة، أو إذا كانت علي لوح خشبي يقوم بحملها أما بمفرده أو بمساعدة من يبيعون معه، وتكون مهمته بسيطة إذا كانت بضاعته بسيطة وسهلة الحمل، بحيث يجمعها بين يديه الإثنتين ويقتصر هدفه فقط على الجري بأقصى سرعة ممكنة. وفي كل الحالات عليهم تسليم ساقيهم للريح والانطلاق في الشارع في أي اتجاه، ماعدا اتجاه واحد .. هو اتجاه سيارة البوكس

وإذا صادفك هذا الموقف فعليك بإتباع النصائح التالية. إذا كنت سائرا فعليك بالحذر الشديد، و توقف فوراً، لكي لا تصطدم بأحدهم وهو يفر من مطاردة جنود الشرطة، أما إذا كنت تقود سيارة فانتبه وإلا صدمت أحدهم وهو يجري لا ينتبه لشيء سوى الهروب. لأنهم في هذه اللحظات لا يدرون كيف يتصرفون وتتبلور مهمتهم في نقطتين إنقاذ البضاعة والفرار بها، وحتى حياتهم لا ينتبهون لها كثيراً فيعبرون الشارع والسيارات مسرعة. يقفزون، يهرولون، ونظرهم لا يبصر سوى الجنود والضباط، وعقلهم لا يفكر إلا في الابتعاد

وما تتعجب له حقاً، هو ما يحدث بعد اختفاء عربة الشرطة، حيث يعود الوضع علي ما كان عليه قبل ظهورها، ويعود الباعة كلٍ إلى مكانه، ويظل الجميع يترقبون عودة البلدية بين حين وآخر. أما على الجانب الآخر، نجد أن رجال الشرطة لديهم تعليمات بإزالة كل ما يعرقل حركة المارة والسيارات من الطريق، ولا ينصب تفكيرهم إلا على الإزالة .. الإزالة فقط، وتتعدد الطرق لتحقيق هذا الهدف، إما بإبعاد هؤلاء الباعة بدفعهم ودفع بضاعتهم من الطريق، إما بمطاردتهم من حين لآخر، إما في بعض الأحيان بمصادره بضاعتهم، حتى لا يفكروا مرة أخري في عرقلة المرور

وجدير بالذكر، أن فئة جديدة انضمت إلى بائعي الأرصفة من حملة المؤهلات العليا والمتوسطة، وخاصة بعد أن زادت نسبة البطالة في مصر. وتزداد الحياة صعوبة في عيون هؤلاء الباعة، وذلك بعد أن أوقفت الحكومة التعيين، أما القطاع الخاص فهو يتطلب مواصفات معينة في من يعمل لديه قد لا تتوافر للخريج حديثاً. كما أن العمل الخاص لا يخل في أغلب الأحيان من المغامرة، التي يستغلها العديد من محترفي النصب ويجدون في شباب الخريجين صيد سهل، فيستغلوا حاجتهم وينخدع الشباب بكلامهم المعسول بل ويعمل لديهم بالشهور دون الحصول على مقابل، وفجأة يختفي صاحب العمل (رجل الأعمال)، تاركاً مكتبه، الذي غالبا ما يكون مؤجر لمدة محددة مفروش

وهناك طريق آخر قد يلجأ إليه شباب الخريجين ألا وهو العمل كمندوب مبيعات، وهي الوظيفة التي تحقق أعلى تواجد وسط الوظائف الخالية على صفحات الجرائد، وبسبب هذه الوظيفة يتآكل حذاء من يعمل بها من اللف والدوران دون تحقيق نسبة بيع تضمن له على الأقل ثمن حذاء جديد. وبعد طرق كل الأبواب، لا يجد هؤلاء إلا أرصفة الطرقات لتحتضنهم وتنتشلهم من نيران البطالة، فيجدوا أنفسهم قد غرقوا في دوامة مطاردة رجال الأمن

فما أصعب حالهم هذا، الذي فضلوا معاناته عن أن يمدوا أيديهم أو أن يسرقوا أو أن يعملوا بالاحتيال، وطالما بقيت لعبة القط والفأر بينهم وبين الشرطة، طالما بقيت مشكلة كبيرة تبحث عن حل

للذهاب للجزء الثاني. اضغط هـــنــــــا

April 10, 2007 Posted by | عام | Leave a Comment

جدعنة

ابن بلد، جدع وشهم.. بدأ يومه مبكرا، نهار الخميس ١٥ مارس الماضي بصلاة الفجر، وأعقبها بقبلات رسمها بشفتيه علي يد أمه، ثم أمسك بأنامل يد ابنته الصغيرة ابتسام 6 سنوات ليأخذها معه في رحلة إلي وادي الريان بالفيوم مع طالبات مدرسته الثانوية بنات بني مزار

هو محمد كمال سيد ٤٣ سنة مدرس لغة عربية خرج بصحبة عدد من زملائه للإشراف علي رحلة المدرسة للفيوم والتي تضم ٥١ طالبة. وبينما الطالبات يلعبن بالكرة، طارت منهن وسقطت في مياه شلال وادي الريان، جرت إليها الطالبة يارا نشأت عيد محمود، فانزلقت قدمها وسقطت في المياه مع الكرة، وجرفتها مياه الشلال، فما كان من محمد إلا أن قفز إليها لنجدتها. فأنقذها لكنه غرق، إذ لم يحتمل أن يراها تموت، ولم يفكر للحظة أنه لا يجيد السباحة أو العوم، لينجح في إنقاذها، ولا يستطيع أن ينقذ نفسه بعد أن جرفه التيار إلي منطقة عميقة، ورغم محاولات زملائه اللحاق به، فإن قدر الله كان أسرع، وساعات عمره قد سكنت عقاربها إلي الأبد

تبكي ابنته ابتسام وتقول: بابا كان معي.. فألقي بنفسه وراء يارا ومات أمامي في لحظات.. وكانت لم تزل تمسك بساندويتش يأكله معها، وتصحو من نومها الآن وتصرخ فلم تستطع نسيان صورة أبيها وهو يجاهد وسط المياه حتي سكنت حركات يديه

أما يارا، ابنة أولي ثانوي التي أنقذها من الغرق، فتقسم أنها ستضع أستاذها الذي أنقذها من الموت في مقلة عينيها، ولن تنسي أنه فداها بعمره، تقول: من الآن أنا ابنته، لأنني علمت أنه لم يكن يعرف السباحة، وأنه اندفع لإغاثتي من وازع الشهامة والرجولة، والأبوة الخالصة، رحمه الله، وأحتسبه من الشهداء، وسأظل أدعو له إلي أن ألقاه عند ربي

وأمه الحاجة زكية حسن كامل تقول، والدموع تستحي النزول من عينيها: محمد ودعني صباحا فهو صادق في كلامه لا يعرف الكذب، يؤدي فرائض ربه، لا يقصر مع أخوته، كان سندي بعد وفاة أبيه عام ١٩٨٥، تخرج في كلية الآداب عام ١٩٨٦، وكان يعمل مدرسا في الصباح، ويبيع الأدوات المنزلية في محل والده مساءً حتي تمكنا من زواج أخته إيمان، وسأحبس دموعي رجاءً لربي أن يجعله في عداد الشهداء، لقد ضحي بنفسه لإنقاذ تلميذته، فلم يفكر للحظة أن يتركها للمياه تبتلعها، ذاد بنفسه عنها، ونجح في إنقاذها ليموت هو، ولا أطلب من ربي إلا الصبر، وأن يتقبل دعاء الناس له، فوزارة التربية والتعليم لا تشعر بالمخلصين علي ما يبدو، وتتجاهل شهامة رجالها وبطولتهم، والمدرسة أطلقت اسمه علي قاعة الصحافة المدرسية التي شيدها بنفسه، كما منحته لقب «المدرس المثالي الأول» لعام٢٠٠٧ واشتري الزملاء مبرد مياه واعتبروه صدقة جارية علي روحه الغالية، وأنتظر أن ينال ابني تكريما وتقديرا لشهامته في زمن أخشي أن ينزوي فيه الرجال

ويلتقط شقيقه رضا طرف الكلام من لسان والدته، التي تداري حزنها تحت جبال الصبر الرابض علي كتفيها، ويقول: فعلا نعيش زمانا انزوي فيه الرجال، ولا يصدق أن موظفا يدعي «والي ميزار» بمكتب صحة يوسف الصديق في الفيوم، يمزق شهادة الوفاة، عنادا وتجاهلا لأحزاننا، وعامل المشرحة بمستشفي إبشواي يتلاعب بأعصابنا من أجل الابتزاز

 ويدعي أن المفتاح ليس معه حتي نرضخ لطلباته مقابل سرعة تسلم الجثة، وعندما هددناه بالشكوي للمسؤولين أخرج المفتاح فورا من جيبه، ويشكو نقابة المعلمين، إذ لم ير أحدا من هذه النقابة معهم في تلك اللحظات الصعبة، كما أن الإدارة التعليمية دورها ورقي فقط، بلا أي إنسانية أو تقدير لفعل الرجال

أما أمير أحمد شكري، صديق محمد، فيشكو سوء وصعوبة ما لاقوه من الجهات المسؤولة بالفيوم، وأنه لولا تدخل عدد من مسؤولي مديرية الأمن ما أنجزوا مهمة تسلم الجثة في الوقت المناسب، معاتبا علي الدكتور يسري الجمل وزير التربية والتعليم ورجاله في المحافظة، إذ كيف لا يجد العمل البطولي أي رد فعل لديهم؟ فلا حس ولا خبر.. وشيع ٣ آلاف مواطن من أبناء بني مزار محمد إلي مثواه الأخير، ومازالت حكايته باقية يتناقلها الناس علي مقاهي المنيا، لتثبت أن السيرة الطيبة تبقي أطول من عمر صاحبها

April 3, 2007 Posted by | عام | Leave a Comment

   

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.