مدونة دواير

جدعنة


ابن بلد، جدع وشهم.. بدأ يومه مبكرا، نهار الخميس ١٥ مارس الماضي بصلاة الفجر، وأعقبها بقبلات رسمها بشفتيه علي يد أمه، ثم أمسك بأنامل يد ابنته الصغيرة ابتسام 6 سنوات ليأخذها معه في رحلة إلي وادي الريان بالفيوم مع طالبات مدرسته الثانوية بنات بني مزار

هو محمد كمال سيد ٤٣ سنة مدرس لغة عربية خرج بصحبة عدد من زملائه للإشراف علي رحلة المدرسة للفيوم والتي تضم ٥١ طالبة. وبينما الطالبات يلعبن بالكرة، طارت منهن وسقطت في مياه شلال وادي الريان، جرت إليها الطالبة يارا نشأت عيد محمود، فانزلقت قدمها وسقطت في المياه مع الكرة، وجرفتها مياه الشلال، فما كان من محمد إلا أن قفز إليها لنجدتها. فأنقذها لكنه غرق، إذ لم يحتمل أن يراها تموت، ولم يفكر للحظة أنه لا يجيد السباحة أو العوم، لينجح في إنقاذها، ولا يستطيع أن ينقذ نفسه بعد أن جرفه التيار إلي منطقة عميقة، ورغم محاولات زملائه اللحاق به، فإن قدر الله كان أسرع، وساعات عمره قد سكنت عقاربها إلي الأبد

تبكي ابنته ابتسام وتقول: بابا كان معي.. فألقي بنفسه وراء يارا ومات أمامي في لحظات.. وكانت لم تزل تمسك بساندويتش يأكله معها، وتصحو من نومها الآن وتصرخ فلم تستطع نسيان صورة أبيها وهو يجاهد وسط المياه حتي سكنت حركات يديه

أما يارا، ابنة أولي ثانوي التي أنقذها من الغرق، فتقسم أنها ستضع أستاذها الذي أنقذها من الموت في مقلة عينيها، ولن تنسي أنه فداها بعمره، تقول: من الآن أنا ابنته، لأنني علمت أنه لم يكن يعرف السباحة، وأنه اندفع لإغاثتي من وازع الشهامة والرجولة، والأبوة الخالصة، رحمه الله، وأحتسبه من الشهداء، وسأظل أدعو له إلي أن ألقاه عند ربي

وأمه الحاجة زكية حسن كامل تقول، والدموع تستحي النزول من عينيها: محمد ودعني صباحا فهو صادق في كلامه لا يعرف الكذب، يؤدي فرائض ربه، لا يقصر مع أخوته، كان سندي بعد وفاة أبيه عام ١٩٨٥، تخرج في كلية الآداب عام ١٩٨٦، وكان يعمل مدرسا في الصباح، ويبيع الأدوات المنزلية في محل والده مساءً حتي تمكنا من زواج أخته إيمان، وسأحبس دموعي رجاءً لربي أن يجعله في عداد الشهداء، لقد ضحي بنفسه لإنقاذ تلميذته، فلم يفكر للحظة أن يتركها للمياه تبتلعها، ذاد بنفسه عنها، ونجح في إنقاذها ليموت هو، ولا أطلب من ربي إلا الصبر، وأن يتقبل دعاء الناس له، فوزارة التربية والتعليم لا تشعر بالمخلصين علي ما يبدو، وتتجاهل شهامة رجالها وبطولتهم، والمدرسة أطلقت اسمه علي قاعة الصحافة المدرسية التي شيدها بنفسه، كما منحته لقب «المدرس المثالي الأول» لعام٢٠٠٧ واشتري الزملاء مبرد مياه واعتبروه صدقة جارية علي روحه الغالية، وأنتظر أن ينال ابني تكريما وتقديرا لشهامته في زمن أخشي أن ينزوي فيه الرجال

ويلتقط شقيقه رضا طرف الكلام من لسان والدته، التي تداري حزنها تحت جبال الصبر الرابض علي كتفيها، ويقول: فعلا نعيش زمانا انزوي فيه الرجال، ولا يصدق أن موظفا يدعي «والي ميزار» بمكتب صحة يوسف الصديق في الفيوم، يمزق شهادة الوفاة، عنادا وتجاهلا لأحزاننا، وعامل المشرحة بمستشفي إبشواي يتلاعب بأعصابنا من أجل الابتزاز

 ويدعي أن المفتاح ليس معه حتي نرضخ لطلباته مقابل سرعة تسلم الجثة، وعندما هددناه بالشكوي للمسؤولين أخرج المفتاح فورا من جيبه، ويشكو نقابة المعلمين، إذ لم ير أحدا من هذه النقابة معهم في تلك اللحظات الصعبة، كما أن الإدارة التعليمية دورها ورقي فقط، بلا أي إنسانية أو تقدير لفعل الرجال

أما أمير أحمد شكري، صديق محمد، فيشكو سوء وصعوبة ما لاقوه من الجهات المسؤولة بالفيوم، وأنه لولا تدخل عدد من مسؤولي مديرية الأمن ما أنجزوا مهمة تسلم الجثة في الوقت المناسب، معاتبا علي الدكتور يسري الجمل وزير التربية والتعليم ورجاله في المحافظة، إذ كيف لا يجد العمل البطولي أي رد فعل لديهم؟ فلا حس ولا خبر.. وشيع ٣ آلاف مواطن من أبناء بني مزار محمد إلي مثواه الأخير، ومازالت حكايته باقية يتناقلها الناس علي مقاهي المنيا، لتثبت أن السيرة الطيبة تبقي أطول من عمر صاحبها

April 3, 2007 - Posted by | عام

No comments yet.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: