مدونة دواير

محدش بياكلها بالساهل – الجزء الأول


لا ملجأ لنا سوى الرصيف، ولا مكسب لنا سوى بيع السلع المعقولة بأسعار بسيطة، ولا بعبع لنا سوى أجهزة الأمن التي تطاردنا أينما عثرت علينا كما لو كنا قتلنا قتيلاً، رغم أن كل جريمتنا أننا نتحمل “التعب والبهدلة” حتى لا تمتد أيدينا للقمة حرام، لكن نقول إيه .. “ما حدش بياكلها بالساهل”، بهذه الكلمات التي تجسد حجم المشكلة الاقتصادية المتفاقمة التي تحاصر ملايين البشر في مصر من فقر ومرض وبطالة ـ أو ما يطلق عليه ثالوث الرعب الاجتماعي ـ عبر “مطاريد” البلدية عن مشاكل الحياة التي يواجهونها بشكل يومي

حيث يحاصر شبح البطالة ملايين الشباب في مصر ويشكل حول أعناقهم حلقة مستحكمة، وحينما وجدوا المَخرج البديل لكسب العيش الحلال طاردتهم جنود الشرطة أو ما يطلق عليهم “البلدية”، وهو مشهد كثيراً ما يتكرر أمام عيوننا في أي مكان وفي أي وقت على أرض مصر وخصوصاً في منطقة وسط القاهرة المختنقة من كثرة الزحام، والسبب وراء ذلك أنهم يتسببوا في إشغال الطريق وتعطيل حركة المرور

قبل إطلالة شمس يوم جديد يستعد كل فرد من هؤلاء الباعة من منزله ليتوجه إلى مكان يرى أنه ممر لكثير من الناس، مما يحقق لبضاعته فرصة أكبر للبيع وبشكل سهل وسريع، ولأنه يعتمد على رزق يومه فليس لديه خطة خمسية أو ثلاثية أو حتى لمدة يومين، يخرج هذا البائع يومياً حاملاً بضاعته إلى أرض الله ليبيع لخلق الله

وبعد أن يرص هؤلاء الباعة بضاعتهم على الأرصفة، أي كانت أطعمة أو أدوات مطبخ أو ملابس أو لعب أطفال بشكل يجذب المارة، وتسير حركة الحياة بشكل طبيعي وهادئ، يفيقون على صوت عربة الشرطة أو كما يطلقون عليها – البوكس

وتبدأ في ثوان أسرع عملية “شد الرحال” يمكنك أن تصادفها في حياتك، حيث يجمع البائع طرفي فرشته. إذا كانت من القماش وضعها علي ظهره وفر بها، أو إذا كانت في كارتونة فعليه جمع كل القطع التي بعثرها أمامه فيها بأقصى سرعة، أو إذا كانت علي لوح خشبي يقوم بحملها أما بمفرده أو بمساعدة من يبيعون معه، وتكون مهمته بسيطة إذا كانت بضاعته بسيطة وسهلة الحمل، بحيث يجمعها بين يديه الإثنتين ويقتصر هدفه فقط على الجري بأقصى سرعة ممكنة. وفي كل الحالات عليهم تسليم ساقيهم للريح والانطلاق في الشارع في أي اتجاه، ماعدا اتجاه واحد .. هو اتجاه سيارة البوكس

وإذا صادفك هذا الموقف فعليك بإتباع النصائح التالية. إذا كنت سائرا فعليك بالحذر الشديد، و توقف فوراً، لكي لا تصطدم بأحدهم وهو يفر من مطاردة جنود الشرطة، أما إذا كنت تقود سيارة فانتبه وإلا صدمت أحدهم وهو يجري لا ينتبه لشيء سوى الهروب. لأنهم في هذه اللحظات لا يدرون كيف يتصرفون وتتبلور مهمتهم في نقطتين إنقاذ البضاعة والفرار بها، وحتى حياتهم لا ينتبهون لها كثيراً فيعبرون الشارع والسيارات مسرعة. يقفزون، يهرولون، ونظرهم لا يبصر سوى الجنود والضباط، وعقلهم لا يفكر إلا في الابتعاد

وما تتعجب له حقاً، هو ما يحدث بعد اختفاء عربة الشرطة، حيث يعود الوضع علي ما كان عليه قبل ظهورها، ويعود الباعة كلٍ إلى مكانه، ويظل الجميع يترقبون عودة البلدية بين حين وآخر. أما على الجانب الآخر، نجد أن رجال الشرطة لديهم تعليمات بإزالة كل ما يعرقل حركة المارة والسيارات من الطريق، ولا ينصب تفكيرهم إلا على الإزالة .. الإزالة فقط، وتتعدد الطرق لتحقيق هذا الهدف، إما بإبعاد هؤلاء الباعة بدفعهم ودفع بضاعتهم من الطريق، إما بمطاردتهم من حين لآخر، إما في بعض الأحيان بمصادره بضاعتهم، حتى لا يفكروا مرة أخري في عرقلة المرور

وجدير بالذكر، أن فئة جديدة انضمت إلى بائعي الأرصفة من حملة المؤهلات العليا والمتوسطة، وخاصة بعد أن زادت نسبة البطالة في مصر. وتزداد الحياة صعوبة في عيون هؤلاء الباعة، وذلك بعد أن أوقفت الحكومة التعيين، أما القطاع الخاص فهو يتطلب مواصفات معينة في من يعمل لديه قد لا تتوافر للخريج حديثاً. كما أن العمل الخاص لا يخل في أغلب الأحيان من المغامرة، التي يستغلها العديد من محترفي النصب ويجدون في شباب الخريجين صيد سهل، فيستغلوا حاجتهم وينخدع الشباب بكلامهم المعسول بل ويعمل لديهم بالشهور دون الحصول على مقابل، وفجأة يختفي صاحب العمل (رجل الأعمال)، تاركاً مكتبه، الذي غالبا ما يكون مؤجر لمدة محددة مفروش

وهناك طريق آخر قد يلجأ إليه شباب الخريجين ألا وهو العمل كمندوب مبيعات، وهي الوظيفة التي تحقق أعلى تواجد وسط الوظائف الخالية على صفحات الجرائد، وبسبب هذه الوظيفة يتآكل حذاء من يعمل بها من اللف والدوران دون تحقيق نسبة بيع تضمن له على الأقل ثمن حذاء جديد. وبعد طرق كل الأبواب، لا يجد هؤلاء إلا أرصفة الطرقات لتحتضنهم وتنتشلهم من نيران البطالة، فيجدوا أنفسهم قد غرقوا في دوامة مطاردة رجال الأمن

فما أصعب حالهم هذا، الذي فضلوا معاناته عن أن يمدوا أيديهم أو أن يسرقوا أو أن يعملوا بالاحتيال، وطالما بقيت لعبة القط والفأر بينهم وبين الشرطة، طالما بقيت مشكلة كبيرة تبحث عن حل

للذهاب للجزء الثاني. اضغط هـــنــــــا

April 10, 2007 - Posted by | عام

No comments yet.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: