مدونة دواير

محدش بياكلها بالساهل – الجزء الثاني


ده الجزء التاني من المقال. في الجزء الأول اتكلمت عن ظاهرة هجوم البلدية على الباعة الجائلين. وهو مشهد متكرر في مناطق وسط القاهرة. وفي الجزء ده هتكلم عن تجربتي الشخصية مع مشهد من المشاهد دي، حصللي يوم 7 أبريل

ميدان الجيزة، واحد من أكبر مناطق تمركز الباعة الجائلين. في مقال جاي، هتكلم عن نقاط الجذب بالنسبة للباعة الجائلين، وعلاقتها بجغرافية المكان وتوزيع السكان. المهم إن ميدان الجيزة من أهم الأماكن دي. مريت من قدام جامع النور في وسط الميدان. وقدام الجامع ده تمركز كبير من البياعين على شكل صفوف. يتقدمهم في الصف الأمامي بياعين الاسطوانات المنسوخة. حسيت بدربكة عند البياعين ونظرات تائهة في جميع الاتجاهات. ولكنها تركزت في النهاية في اتجاه واحد. عربية البوكس. يبدو إن جاتلهم إخبارية إن عربية البوكس جاية. بس الإخبارية جت متأخرة شوية

الميدان كله اتقلب رأساً على عقب. وفي اللحظة دي كنت معدي من قدام بياعين الاسطوانات اللي بدأو يلموا فرشتهم ويرجعوا بيها لورا. فكرت هيهربوا بيها على فين. يمكن رجوعهم لورا والتصاقهم بالجامع ممكن يديهم نوع من أنواع الحماية المعنوية. يمكن في بالهم إن البوكس مش هيقرب منهم لو وقفوا جمب الجامع. وقفت أتأمل الموقف. لقيت واحد كبير بجلابية، ودقنه طويلة وكبيرة وجسمه ضخم. وقف قدام الناس اللي كانت فارشة، وشه ليهم وظهره للميدان وعربية البوكس. وكان بيشاورلهم إنهم يهدوا، ومحدش يرجع ببضاعته لورا أو يهرب بيها. توجهت كل نظراتهم في اتجاهه، وكأنه قائدهم الملهم. وبعد قليل من التردد، استجابوا لأوامره. وثبتوا في أماكنهم. وأعينهم مشتتة بين مراقبة عربية البوكس من بعيد، وبين النظر لزعيمهم الملهم الذي منحهم الثقة والشعور بالأمان. يبدو أن هذا الزعيم الملهم، شعر بتوجسهم وثقتهم الغير كاملة في شخصه. فاستدار وأشار لعربية البوكس بيده. وفي غضون ثواني، كانت عربية البوكس منطلقة

شعور عارم من الفرحة والاطمئنان انتاب الباعة المتواجدين أمام الجامع. ربنا عداها على خير. ولكني تأملت الموقف. وبحثت له عن تفسير. وبدون لف ودوران، السبب واضح ومحدد ولا ينكره أحد. هناك اتفاق متبادل بين الطرفين على التغاضي عن إشغال الطريق وعدم مصادرة البضائع في مقابل نسبة من أرباح البائعين يتم تحصيلها من حين لآخر لصالح ضباط وعساكر البلدية

استمررت في متابعة عربية البوكس. وفي داخلها ضابط يبدو أنه لم يشبع رغبته في الانقضاض على إحدى فرائسه، ومص دمها. فأشار بيده لسائق العربية في اتجاه آخر من الميدان. يبدو أنه في طريقه لاقتناص صيد ثمين. جريت مسرعاً حيث أشار هذا الضابط، حتى ألحق بالمشهد من أوله، وأتابعه عن قرب

في لحظة واحدة، وجد أحد باعة الشرائط الكاسيت نفسه في مواجهة عربية البوكس. والعساكر يقفزون منها، ويهمون بالتهام كل شيء. وفي المقعد الأمامي للسيارة. جلس الضابط وهو يدخن سيجارة، وتبدو عليه مشاعر الرضا والارتياح. ومن حين لآخر يلقي بنظرة ساخرة على المشهد. وعلى الناس المتجمعين لمشاهدة الحدث. وكأنه يثبت رجولته أمام الجميع بما يفعله

تعلقت عيناي بهذا الشاب الذي لم يتجاوز العشرين من عمره. والذي وقف وحيداً يحمي بضاعته في وجه المغول القادمين إليه. وما هي إلا ثواني، حتى كانت الفرشة بين طرفين. عسكريين يجذبونها من طرف، والشاب يسعى جاهداً لأن يمنعهم من ذلك في الطرف الآخر. وفي وسط كل هذا تتبعثر الشرائط. وتقع على الأرض. والنزاع قائم على الفرشة بحمولتها الضخمة. ترنو من عيني الشاب نظرة حزينة للشرائط المكسرة التي وقعت على الأرض. وشعور بالألم والحسرة يختلط بدمعة متحجرة في عينيه. ولكنه يتمالك نفسه ويعود ليمسك في طرف فرشته كي يمنعهم من أخذها ووضعها فوق سيارة البوكس

الشاب، وعلى الرغم من ضعف بنيته، كان قادراً على أن يحافظ على فرشته أكبر وقت ممكن في وجه تلك الوحوش المفترسة. أدركت سر قوته. إنه التمسك بلقمة العيش. أنه الخوف من المجهول بعد ان تضيع فرشته وتلتهمها تلك الانياب المفترسة. لم يمر وقت طويل حتى نزل عسكريين آخرين من فوق البوكس، وهما بمساعدة زميليهما. وبدأت الكفة تميل لصالح الوحوش

في هذا الوقت. بدأت تظهر على ملامح الضابط مشاعر القلق. إنه قلق من تجمهر الناس واقترابهم من المشهد أكثر وأكثر. ويبدو انه لو انتظر قليلاً. سيبدأ الناس في التدخل لإنقاذ الشاب المسكين. ولكن هؤلاء الضباط يعرفون ما يجب فعله. إنهم مثل الذئاب التي تنهش من الغنم القاصية. وإذا تجمع الناس فإنها تسعى لالتهام الفريسة بسرعة أو الهرب بجثتها قبل تجمع الناس. هكذا فعل الضابط

عندما بدأت كفة النزاع على الفرشة تميل لصالح وحوش البلدية. عندها بدأ الشاب بالصراخ الممتزج بالبكاء. كل الدموع التي حاول جاهداً إخفائها حتى لا يبدو ضعيفاً. كلها ذرفت من مقلتيه دفعة واحدة. دموع الشعور بالظلم والاضطهاد، والاحساس بقلة الحيلة والعجز في مواجهة الوحوش. الملاحظ أن الشاب لم ينظر أبداً في اتجاه الناس المتجمهرة. فهو متأكد في قرارة نفسه أنهم لن يساعدوه بشيء. وسيكتفون بالفرجة ومصمصة الشفاه، والهمهمات. وبعض الدعاء لهذا الشاب أن ينجيه من هذه الوحوش. وبعضهم سيرمقه بنظرة خاطفة، ويمضي لحال سبيله غير عابيء

في لحظات كان الضابط هابطاً من السيارة ومتوجهاً صوب الشاب. أصدر أوامره للعساكر. أمسكوه كويس. وفي لحظات انهال عليه بالضرب على الوجه. ضربات سريعة ومتتالية. من كل الاتجاهات وبكل قسوة ووحشية.

تراجع الناس للوراء. وتجمد الشاب في مكانه. واختفت الدموع من عينيه. كأنما هو يثبت للجميع أنه رجل، مهما كان عاجزا عن مقاومة هذا الغول المفترس. كأنه يثبت لنا أنه لولا قلة حيلته لعرف كيف يرد على هذه الإهانة. وكان الضابط مستمراً في مهمته المتمثلة في الانهيال ضرباً على وجه الشاب، بكل ما أوتي من قوة، وبسرعة غريبة

طريقة ضرب الضابط للشاب تبدو كما لو كان الضابط مارسها مراراً وتكراراً. يبدو وكأنه درسها في أكاديمية الشرطة. وما أثار استغرابي، هو كيف وصل بالضباط البجاحة بأن يضربوا مواطناً على الملأ وبكل هذه القسوة. هذا الفعل ما كان أن يتم، لولا علمهم أنهم محميون مهما فعلوا. ولولا تأكدهم من أن لا أحد سيحاسبهم ويسألهم عما يفعلون، ولكن تلك قضية أخرى

وفي ثوانٍ معدودة. كان القرار الحاسم من الضابط. لا تكتفوا بمصادرة البضاعة فقط. بل احملوا معكم هذا الشاب فوق البوكس إلى قسم الشرطة، لكي يتم عقابه العقاب المناسب هناك. والسبب معروف، ضباط الداخلية في بلدنا المحروسة لا يتوقعون أبداً أن يقاومهم أحد ويتمسك بحقه، ومن يحاول التمسك بحقه، يجب عقابه العقاب المناسب حتى يظل منكس الرأس ولا يرفعها أبداً في وجه أسياده الوحوش

صعد الشاب إلى البوكس وعلى وجهه ملامح الندم. وكأنه كان يجب أن يضحي بفرشته في مقابل أن ينجو بنفسه. ولكنه كان متمسكاً بمصدر رزقه الوحيد، وحاول الحفاظ عليه في وجه الذئاب. وللأسف خسر كل شيء. ومصيره في قسم الشرطة، لن يخرج عن عدة سيناريوهات. أما أن يتعرض للضرب والتعذيب والإهانة كعقاب له على حرصه على مصدر رزقه. وتوقع عندها كل شيء يمكن أن يفعلوه به. فبعد مشاهد التعذيب في أقسام الشرطة والمنتشرة في كل مكان، توقع أن يتم تعذيبه بكل شكل ممكن، وحتى يتم اشباع رغبات الضباط السادية. وربما بعد هذا التعذيب يقومون بتكسير بضاعته أمام عينيه، إمعاناً في كسر نفسه وإهانته. والأسوأ من هذا أن يقوموا بتلبيسه أي قضية. مخدرات، سلاح، أي شيء. ويكون مصيره السجن لعدة سنوات. ليخرج لنا من السجن شخص ناقم على المجتمع، ومستعد لارتكاب أي جريمة، بعد أن كان يسعى لأكل لقمة عيشه بالحلال قبل عدة سنوات

نعود إلى سيارة البوكس. ويبدو أن الشاب رضي بمصيره، وعرف أن هذا هو قدره. بعدها بدأ الناس في لم بواقي البضاعة المبعثرة التي سقطت على الرصيف، ربما لجمعها، ووضعها كأمانة في الجامع، لحين عودة الشاب من المجهول الذي ذهب إليه. ولكن أحد العساكر أصدر أوامره المحددة والواضحة. محدش يلمس حاجة، سيبوها هنا لحد ميرجع وياخدها. وكأنه يريد لها أن تُسرق، ويعود الشاب فلا يجدها. وللأسف استجاب الناس وابتعدوا. إلا أنا، تظاهرت بأني لم أسمع كلامه وانهمكت في لم باقي الشرايط. عاجلني العسكري بقوله. إنت أطرش؟. وفي هذه الأثناء، جذبني أحدهم من كتفي، وكأنه يقول لي. جدعنتك دي ممكن توديك في داهية. قوم واسمع الكلام أحسن. قمت ورمقت العسكري بنظرة، نقلت فيها كل معاني الاحتقار والاشمئزاز تجاهه، وذهبت مسرعاً لأكمل المتابعة

ذهبت السيارة بعيداً وبسرعة كبيرة في الاتجاه الخلفي للطريق، حتى اختفت من نظري. ولكنها عادت قبل أن أهم بمغادرة الميدان. عادت لالتهام فريسة أخرى لا تبعد كثيراً عن الفريسة الأولى. استطاع الشاب أن يلمح عربية البوكس وهي تتقدم مسرعة في اتجاهه. فأسرع لكي يلم بضاعته ويهرب بها إلى داخل الباب الخلفي للمسجد. ولكن كانت السيارة أسرع من الشاب، وفي ثوانٍ معدودة كانوا أمامه. قفز عسكريين من على ظهر السيارة متجهين صوب هذا الشاب قبل أن يهم بالهروب. في هذه الأثناء، كان بعض الناس يتابعون المشهد، وقرروا التدخل، وكأنهم رفضوا أن يسمحوا بوجود ضحية جديدة لهذه الذئاب، وهم مكتفون بالمشاهدة. توقع ماذا فعلوا؟

الشيء الوحيد الذي استطاعوا فعله. هو المرور من أمام العساكر لعرقلة وصولهم للشاب. وجدت نفسي وسط حشد من الناس. يتظاهر بالمرور من نقطة معينة في مواجهة فرشة الشاب. حتى يتم عرقلة وصول العساكر للشاب. وفي كل مرة يتجاوز العساكر أحد المارة، يصطدمون بآخر. حتى وصلوا لمكان الفرشة. ولكنهم لم يجدوا لا بائعاً ولا بضاعة. فقط بضع اوراق قديمة ممزقة، وملقاة على الأرض. وعملة معدنية صغيرة، انتبهت لوجودها بالصدفة، وأنا أهم بالانصراف

تمت

April 10, 2007 - Posted by | عام

No comments yet.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: