مدونة دواير

تخاريف جنبلاط


 

في حلقة مثيرة لبرنامج “بالعربي” الذي بثته فضائية العربية عام 2005، قال وليد جنبلاط زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي وأحد رموز الفريق الحاكم اللبناني، ردا علي سؤال مقدمته عن سبب الانقلاب العجيب والغريب علي كثير من مواقفه تجاه كل من سوريا والمقاومة اللبنانية وواشنطن وإيران وغيرها: يعني عدت إلى نفسي, عدت إلى نفسي وعدت إلى تراث لم أنسَه.عدت لنفسي, وكم أنا أشعر اليوم بأنني حرّ والحمد لله. فيه هناك في حياة البشر لحظات، ومضات يكون يمشي المرء بدون يعني أن يشعر ثم تأتيه نوعاً من – إذا صح التعبير – إلهام. فكان ربما أتاني إلهام معيّن أنه لابد أن يتغيّر شيء, لا نستطيع أن نستمر في هذه الوتيرة التافهة الروتينية تحت شعار الوضع الوطني والقومي

ومن يقرأ الإجابة سيلاحظ فورا أن درجة الانقلاب لدى جنبلاط كانت 180 درجة في فترة قياسية وحرجة. لكي تتابع بعض تفاصيلها بدقة عليك أن تحبس أنفاسك لتتفادي أي جنوح في رد فعلك – التلقائي ساعتها – لكثرة ما سينتابك من دهشة وعجب وتساؤلات. ونظراً للفيض الغزير في تصريحات وتحولات وليد بيك سنبدأ معكم الآن بعرض بعض ومضات (فلاشات) سريعة منها تكشف درجة هذا التحول في المقارنة بين تصريحاته لما قبل وبعد التحول، وكان مما قال

عن سوريا

قبل: كنت الحليف الأول لسوريا, وسأبقى عند الضرورة إذا ما شعرت بأن هناك خطراً على سوريا سأكون مدافعاً عن سوريا

بعد: عدوي الآن ليس اسرائيل بل النظام السوري الحاقد و الغبي

عن أمريكا

قبل: إننا لا نقبل أن تملي علينا الإدارة الأميركية، كيف نمارس الديمقراطية في لبنان والمنطقة، أو تعطينا دروساً في الديمقراطية. بوش فخور بأنه صديق للمجرم أرييل شارون، ومن ثم فإن بوش مجرم هو الآخر

بعد وخلال زيارته لبوش فبراير 2007: نعم، جئت أطلب المساعدة (السياسية والعسكرية من أمريكا ضد سوريا). هذا ليس سراً

عن المقاومة

قبل: إن المستقبل هو في تلك البندقية الوطنية والإسلامية من جنوب لبنان (حزب الله) إلى النجف ومروراً بالفلوجة (المقاومة العراقية)، فإذا سقطت البندقية ستكون كرامتنا مسلوبة ورأسنا ذليلاً

بعد: نحن أقوى من السلاح الذي يمتلكونه سلاح الغدر (سلاح المقاومة). أطل علينا بالامس رئيس جمهورية حزب الله حسن نصر الله مهدداً متوعداً مهاجماً الدولة ومشروعها وكامل أسسها، معتبراً أن الدولة الحالية ليست دولة قوية، متناسياً أن وجود سلاحه ومؤسساته وترسانته وأمنه ومربعاته هي أحد أبرز أسباب عدم قيام الدولة القوية

ولكثرة هذه التصريحات وتشعبها سنختار أسلوب سرد المواقف لا سرد التاريخ ككل في تتبع كيف ولماذا تكفل (الإلهام) بإعادة جنبلاط إلي نفسه كي لا يستمر في وتيرة المواقف القومية الوطنية (التافهة) التي كان يسير فيها حتي وقت قريب وذلك من علي لسانه هو سواء في اللقاءات الخاصة التي أجرتها معه بعض الفضائيات أو تصريحاته النارية الملونة في بعض الفعاليات والاحتفالات وسنكتفي الآن بما يتعلق بمواقفه تجاه سوريا، المقاومة اللبنانية،إيران، أمريكا

جنبلاط وسوريا

أقسي ما تفتقت عنه قريحة وليد بيك في توصيف علاقته بسوريا، البلد العربي المجاور والشقيق للبنان ،هو ما صرح به في حديث لقناة “المستقبل” عام 2006 بالقول الصريح: عدوي الآن ليس إسرائيل بل النظام السوري الحاقد و الغبي

كان جنبلاط يضع نفسه في الصفوف الأمامية في الدفاع عن النظام السوري ، ومستعد للتضحية برقبته وماله وعياله لحماية هذا النظام ،علي أساس أن سوريا هي أحد الحصون العربية التي لو سقطت لسقطت العروبة التي كان جنبلاط يفديها بدمه. ففي عام 2003 وعقب زيارة قام بها للمرجع الشيعي اللبناني الشيخ محمد حسين فضل الله، ثم الأمين العام لحزب الله الشيخ حسن نصر الله، قال جنبلاط رداً على سؤال حول الضغط الذي تتعرض له سوريا من قبل الامريكيين: سوف يزداد الضغط على سوريا ولبنان اذا ما تحقق غزو العراق، وسندافع بكل الوسائل إذا كان الأمريكي يريد أن يتحدانا في عقر دارنا هو والإسرائيلي، وقد سبق وقام بذلك وطُرِد عن سواحل بيروت

وفي عام 2004 خلال زيارة له إلي باريس استقبله فيها الرئيس جاك شيراك، قال إن هدف الزيارة كان مطالبة فرنسا بدعم النظام السوري في مواجهة التهديدات التي يواجهها. أما في فبراير عام 2007 فقد انتقل جنبلاط من موقع الدفاع عن سوريا وحشد التأييد الدولي لها إلي الهجوم وحشد التأييد الدولي لصالح دعوته لإسقاط النظام السوري، ولو بالقوة العسكرية كما فعلت أمريكا في العراق

ففي هذا التاريخ زار واشنطن للحصول على مساعدة سياسية وعسكرية ضد سوريا، وأعلنها بصوت مسموع في محاضرة ألقاها في معهد “اميريكان انتربرايز انستيتيوت” في واشنطن بقوله: هذا ليس سراً. نعم أبحث عن المساعدة. أحتاج إلى مزيد من المساعدة السياسية والعسكرية ضد الاحتلال السوري غير المباشر. سوريا ما زال لديها تأثير في لبنان وتعمل عن طريق حزب الله اللبناني الشيعي وحلفاء آخرين. سأفعل ما بوسعي لتحرير بلدي من الاحتلال السوري غير المباشر

وبالفعل تلقي البيك أحد أشكال هذه المساعدة، وكانت سبعة مليون دولار من جورج بوش، لا أحد يعلم ما هي الأنشطة والعمليات التي سوف ينفقها فيها، لكي يتخلص من نفوذ سوريا وحلفائها في لبنان

وفي نفس الوقت الذي تعد التهمة الرئيسية الموجهة من فم جنبلاط إلي سوريا هو تدخلها الدائم حسب رأيه في شئون لبنان، وأن الحل الوحيد لإعادة العلاقات بين البلدين إلي الهدوء والتعاون هو إنهاء هذا التدخل، نجده هو نفسه يتدخل بشكل مباشر وجريء ليس فقط في الشئون الداخلية السورية، بل في انضمامه للمعارضة السورية في المطالبة بإسقاط نظام الحكم السوري، ولو بالقوة الأمريكية بشكل يتناقض مع كل الأصول والأعراف المحلية والدولية، وذلك حين أعلن دعمه للمعارضة السورية المتواجدة في واشنطن خلال نفس الزيارة، وتوجهها لإسقاط نظام الرئيس بشار الأسد، و أصدر معها بياناً مشتركاً بهذا المعنى

كل هذه المواقف الحادة من سوريا لم تأت دفعة واحدة ولكنها كانت آخر حلقات سلسلة العلاقات الجنبلاطية السورية التي بدأت ملامحها في الظهور عام 1977 منذ الزيارة التي قام بها وليد جنبلاط الشاب أنذاك إلي سوريا، بعد أربعين يوماً من مقتل والده الزعيم كمال جنبلاط، عقب اختياره من جانب طائفته الدرزية خليفة لوالده في الزعامة، وقدم في هذه الزيارة فروض الولاء للرئيس حافظ الأسد التي ظل محافظاً عليها في شكل دفاعه المستمر عن دور سوريا في حماية السلم الأهلي بلبنان، وحمايته من العدوان الصهيوني في إطار علاقات الجوار والأخوية والمصير المشترك

واستمر شدو الغزل بين جنبلاط وسوريا هذا حتي بدء التحول الكبير في عام 2000 الذي شهد الانتخابات التشريعية والبلدية، التي كانت فرصة كبيرة لجنبلاط كي يثَُّبت أركان زعامته وسط الزعمات الكبري من أمثال رفيق الحريري وحسن نصر الله وعمر كرامي ونبيه بري وغيرهم، ولكن يبدو أنه لمس أن قانون الانتخاب لن يخصه بأي معاملة خاصة كما في الماضي وتأكد بأن الحكم ومن ورائه سوريا إنما وضع القانون ليقلم أظافره السياسية. فبدأ شن حملة شرسة ضد سورية والدولة اللبنانية بلغت في تصعيدها حداً مُنِع معه من دخول سوريا

واستمر بالتصعيد ضد الوجود السوري العسكري في وسط لبنان حاملاً ومتبنياً جميع الشعارات المسيحية المعارضة المتطرفة، ليزيد من مساحة مؤيديه ولا يقصرها فقط علي الدروز، فنجح في الدخول إلى قلوب الناخبين المسيحيين من أنصار سمير جعجع وميشيل عون المعارضين لسوريا، وربح معركته الانتخابية

وإبتداءاً من العام سبتمبر 2004، وبعد أن تم التمديد للرئيس لحود بدعم سوري علي غير هوى المعارضة التي كان ينتمي إليها أنذاك جنبلاط، صدر القرار 1559 الفرنسي الأمريكي الذي طالب سوريا ضمناً بسحب جنودها ليس إلي بعض المناطق في لبنان بل من لبنان كله، رغم المخاطر التي تحيط به سواء من جانب الوجود الأمريكي المتمركز في العراق منذ عام 2003، أو من جانب الوجود الصهيوني المتربص بلبنان من ناحية الجنوب وفي مزارع شبعا

وقد انتهز جنبلاط فرصة الحملة الدولية علي سوريا لتنفيذ القرار 1559، فأطلق هو حملة محلية ودولية لتنظيم العلاقات الاستراتيجية بين لبنان وسوريا وفق الطائف، وحماية مستقبل الوضع السياسي والديمقراطي في لبنان، بإلغاء مفاعيل التمديد وإجراء إنتخابات حرّة ونزيهة، وحلْ مسألة سلاح المقاومة بالحوار الداخلي

وإلي هذا التوقيت كانت نقاط النقد الجنبلاطي لسوريا لا تتعدي مطالبة سوريا بعدم التدخل في الشئون الداخلية للبنان، أما فيما يخص الوجود العسكري فلم يصدر عنه مطلب الخروج السوري نهائياً ولكن إعادة التمركز في منطقة البقاع الشرقي، لضرورات الأمن السوري من ناحية ولتوفير أجواء أمنية مناسبة لعمل المقاومة اللبنانية علي تحرير مزارع شبعا، وكان الحليف الأساسي لسوريا الذي يتلقي سهام جنبلاط هو الرئيس إميل لحود، أما حلفاء سوريا من حركة أمل وحزب الله فلم يتوجه إليهما حتي هذا التوقيت بأي اعتراض، لحاجته إليهما في دعمه سياسياً عبر التحالف مع حزب الله بالذات في انتخابات عام 2000 والتي مكنته من حضور برلماني وبلدياتي قوي، جعله رقما صعبا في معادلة السياسة الداخلية

وحتي العام 2005 كان يؤكد علي رفضه القرار 1559 الذي يطالب سوريا بالخروج نهائياً، حتي أنه في مقابلة مع فضائية العربية في 2-1-2005 قال: لم نطالب, لم أطالب بانسحاب الجيش السوري، طالبت بتمركز القوات السورية وفق أصول دفاعية من أجل حماية دمشق في حال هجوم إسرائيلي

جيزال خوري: يعني أنت مش مع 1559
النائب وليد جنبلاط: لأ

جيزال خوري: أنت مع تطبيق الطائف
النائب وليد جنبلاط: مع تطبيق الطائف

جيزال خوري: كيف علاقتك الشخصية مع يعني الرئيس بشار الأسد
النائب وليد جنبلاط: بالمرات يلي قابلته فيها نظرت إليه: شاب طالع له طموح كبير للإصلاح في سوريا، في تصحيح العلاقة بين سوريا ولبنان, هلا في المستقبل، في المستقبل العربي, وعندما وقف وقفته الشهيرة في معارضته للاحتلال الأميركي للعراق كان له صدى عربياً واسعاً, أعتقد له مستقبل

جيزال خوري: طيب انتهى النظام السوري برأيك
النائب وليد جنبلاط: أبداً. أبداً النظام السوري موجود

جيزال خوري: سيبقى كما هو يعني
النائب وليد جنبلاط: هذا هو شأنه كما نطالبهم أن لا يتدخّلوا بشؤوننا, أيضاً علينا أن لا نتدخّل في شؤونهم

ولكن البيك نسف كل هذا الكلام بإعلانه سوريا عدواً له بدلاً من إسرائيل في عام 2006، بل وبدعوته الصريحة لأمريكا لإسقاط النظام السوري، ولو بالقوة العسكرية وفق ما صرح به للصحفي ديفيد أغناسيوس من جريدة الواشنطن بوست بقوله: إذا كان بوش يَعتَبِر لبنان أحد إنجازاته الكبرى، فالآن حان الوقت لحمايته. وحين سأله الصحفي عما يريده من الولايات المتحدة الأمريكية أجاب: لقد أتيتم إلى العراق باسم حكم الأكثرية، لذا فإن بإمكانكم فعل الشيء ذاته في سوريا

جنبلاط وأمريكا

علي عكس مسيرة علاقات جنبلاط مع سوريا تشكلت مسيرته مع الولايات المتحدة الأمريكية، فإن كانت مسيرة العلاقات مع سوريا بدأت بالحليف الرئيسي وانتهت عند العداء المستحكم، لدرجة سعيه لإسقاط نظامها بالقوة العسكرية، فإن علاقته مع أمريكا بدأت من نقطة العداء لكل مشروعاتها الاستعمارية والتوسعية في فلسطين والعراق، ووصف بوش بالمجنون والإرهابي، وانتهت حتي اليوم عند نقطة التحالف الاستراتيجي والاستعانة بها ضد خصومه في الداخل، وعدوه السوري الخارجي بعد اعتبارها المخلص الأعظم للعالم وللبنان من الإرهاب بكافة، والإرهاب السوري بشكل خاص

ونبدأ في تتبع الرسم البياني للعلاقات الجنبلاطية – الأمريكية، ففي عام 2003 أيضاً ألغت الإدارة الامريكية تأشيرة الدخول التي يحملها وليد جنبلاط إلي الولايات المتحدة احتجاجاً علي تصريحات أعرب فيها عن أسفه لنجاة بول وولفوفيتز نائب وزير الدفاع الامريكي أنذاك، من محاولة اغتياله في قصف الفندق الذي كان يقيم فيه بالعراق أثناء زيارته لتفقد القوات الامريكية، عقب نشوب الحرب في نفس العام

وساعتها استمر جنبلاط في صب جام غضبه علي الحملة الأمريكية علي ما تسميه بالإرهاب ودول محور الشر، ومنها إيران وسوريا فقال: محور الشر الحقيقي الذي يحكم العالم اليوم، هو محور النفط واليهود، فمحور النفط يكمن في غالب الادارة الامريكية بدءاً من رئيسها الى نائبه، والى كبار مستشاريه ومنهم رايس ولونها النفطي، وإلى جانب ذلك يكمن محور اليهود برئاسة بول وولفوفتز، الصقر الأساسي المحرض على احتلال العراق

وخلال افتتاح أعمال المؤتمر القومي العربي لعام 2004، حذر جنبلاط من قرار دولي يشرع الوجود الأميركي في العراق، حتي أنه دعا الى تكثيف العمليات وحرب العصابات وحرق السفارات الإسرائيلية على الأرض العربية

وفي الاحتفال الذي عُقِد في بيروت في نفس العام لتأبين الشهيد الفلسطيني الشيخ أحمد ياسين، علا صوت وليد جنبلاط بما لا يجرؤ علي قوله اليوم: إن الرئيس الأمريكي جورج بوش مجرم لتحويله دفة السياسة الامريكية في الشرق الاوسط بحدة تجاه اسرائيل. وقال لرويترز في مقابلة بمنزله: بوش فخور بأنه صديق للمجرم أرييل شارون، ومن ثم فإن بوش مجرم هو الآخر. وذلك بعد شهور قليلة من وصفه لبول وولفوويتز بأنه فيروس

ولم يكتف بذلك بل كان يوجه سهام غضبه وسخطه إلي الدول العربية التي يراها متحالفة مع الولايات المتحدة، منتقداً صمتها علي هذا الإجرام الأمريكي الذي سحب معه الإجرام الإسرائيلي، إلي بلاد الرافدين حتي أنه دعا لبنان لعدم حضور القمة العربية في تونس، لأنها لن تتخذ موقفاً قويا ضد أمريكا وإسرائيل

ولكن كيف ينظر جنبلاط منذ عام 2006 وحتي اليوم إلي بوش الذي وصفه سابقا بالمجرم والإرهابي، وأمريكا التي كان يراها قائدة قاطرة الإرهاب والظلم في العالم عندما سعت إلي دعم إسرائيل في فلسطين ولبنان، وإلي إسقاط نظام عربي بالقوة العسكرية في العراق

إنه الآن يسافر إلي بوش مثنياً علي خدماته الجليلة التي قدمها للعراق، ويطالبه بتقديم مثلها في سوريا ولبنان، وفي أتون الحرب الأمريكية – الإسرائيلية الأخيرة علي لبنان في يوليو الماضي، كان يستقبل بكل الترحاب وزيرة الخارجية كوندليزا رايس، ويتناول معها الغداء في نفس الوقت الذي كانت القنابل الإسرائيلية تتساقط علي رؤوس الأطفال والنساء في بلدة قانا وغيرها، ويخرج ليجاهر بتحالفه مع أمريكا رداً علي التحالف بين حزب الله وسوريا وإيران! ويدعو أمريكا صراحة إلي التدخل بأي شكل لإسقاط نظام رئيس بلاده إميل لحود والرئيس السوري بشار الأسد، الذي حل محل بوش عند جنبلاط في حمل صفات الإجرام والإرهاب، بل ووصفه جنبلاط في مهرجان إحياء الذكري الثانية لاغتيال رفيق الحريري بأنه أفعي ومن أنصاف الرجال

جنبلاط وإيران

من يراها الآن (رأس الشر) أي إيران، كان جنبلاط في زيارات مشهورة لها، يشد فيها علي يد زعمائها بسبب (صمودهم) أمام قوي الشر العالمية، وعلي رأسها الولايات المتحدة، ومن أحدثها الزيارة التي قام بها في عام 2003 وقابل فيها الرئيس الإيراني ساعتها محمد خاتمي

وفي نفس العام وفي ختام لقائه مع السفير الايراني في بيروت مسعود كرمنشاهي، أبدي قلقه وهلعه علي مستقبل سوريا وإيران وحزب الله أمام القطار الأمريكي المندفع بجنون حين قال: اذا نجح الاميركيون في العراق، فالهدف الثاني هو إيران وسوريا وحزب الله وكل تيار سياسي يقول لا لأميركا واسرائيل. لذلك فالدفاع اليوم في العراق وصمود العراق ومساعدة العراق عسكرياً ومالياً ومتطوعين، هو دفاع عن إيران ودفاع عن سوريا وعن حزب الله، ودفاع عن كرامتنا ووجودنا

ورغم أن من الأناشيد المفضلة لجنبلاط للتغني بها أمام الكاميرات صبح مساء هذه الأيام، هو أن حزب الله حزب إيراني عميل، مزروع في لبنان لتنفيذ مخططات صفوية مجوسية، فقد يكون قد سقط من ذاكرته ما سجلته عليه صحيفة الشرق الاوسط، خلال جولة تفقدية قام بها في إقليم الخروب في الشوف اللبناني حيث قال ساعتها: إن حزب الله حزب كبير، وهو من أبناء الجنوب والوطن، ولم يأت من الخارج، وإذا قررت إسرائيل الدخول مجدداً الى لبنان فكل بيت يوجد فيه سلاح للمقاومة

جنبلاط وحزب الله

كان حزب الله هو آخر من تمرد عليهم جنبلاط بيك حتي الآن، فإن كان قد بدأ انقلابه علي الرئيس لحود برفض انتخابه في 1998، ورفض التمديد في عام 2005، وانقلابه علي سوريا منذ العام 2000، وتصاعد حتي وصل في منحناه إلي أعلاه اليوم، فإنه حافظ علي علاقته الطيبة بحزب الله حتي نهاية العام 2005،وربما يعود ذلك إلي التحالف الرباعي الذي كان يضمه مع حزب الله وتيار المستقبل وحزب الكتائب والذي ساهم في بسط صورته ونفوذه علي كثير من الدوائر الانتخابية في انتخابات 2000، وأراد الحفاظ علي هذا المكسب في انتخابات عام 2005، حتي جاءت عملية اغتيال الحريري قبيل الانتخابات في فبراير من نفس العام، وبدأت خارطة التحالفات في التغيير وإعادة رسم الملامح، بعدما انقسم الشارع اللبناني إلي فريقين، الأول يطالب برحيل سوريا وضم سلاح المقاومة للجيش أو إلغاؤه نهائياً، والثاني يؤكد علي أهمية دور سوريا وإن رحلت من لبنان والحفاظ علي سلاح المقاومة، وكان لابد هنا من الافتراق، لأن جنبلاط كان متزعماً الفريق الأول، وحزب الله متزعماً الفريق الثاني

وعندما مالت كفة المعارضين لسوريا في ميزان الوضع الدولي الراهن، نظراً لدعمهم من جانب فرنسا والولايات المتحدة صاحبتي القرار رقم 1559 الدافع لرحيل الجيش السوري، فقد كان لزاماً وطبيعياً في نظر الكثير من متتبعي مسيرة جنبلاط أن تهرول قدماه ولسانه إلي جهة الطرف الأقوي في الميزان الدولي المنتظر أن يدعم حلفائه في الداخل؛ فانسلخ جنبلاط عن تحالفه مع حزب الله، لينضم الي ما سُمي بعد ذلك بتحالف 14 آذار، وهو تاريخ خروج المظاهرة الكبيرة التي قادها مع سعد الحريري وأمين الجميل وأنصار سمير جعجع، للمطالبة برحيل الجيش السوري ومحاكمة سوريا علي تهمة اغتيال الحريري، تلك التهمة لم تكن إلا من ابتكارات جنبلاط وحلفائه الجدد ولم تثبت صحتها حتي الآن

وكما جاء الانفكاك من سوريا رويداً رويداً. كذلك كان الحال مع حزب الله، فمن سلاح العز والكرامة، إلي سلاح مطلوب بحث مستقبله علي طاولة الحوار الداخلي، إلي سلاح الغدر، إلي سلاح الإرهابيين، إلي سلاح مطلوب تدخل بوش بقوته العسكرية لكسره والقضاء عليه، وأمثلة هذه الانقلابات علي لسانه كما يلي

في عام 2002 وفي برنامج (لقاء خاص) مع فضائية الجزيرة ،ورداً علي سؤال حول موقفه من استمرار عمليات حزب الله في الجنوب ضد الاحتلال الصهيوني، قال بالنص في حواره مع المذيع توفيق طه: حزب الله يتصرف بحكمة هائلة ودقة، ولن يعرِّض الأمن الوطني اللبناني أو الأمن الوطني القومي للخطر، لكن من حق حزب الله أن يستخدم الوسائل الممكنة السياسية أو غير السياسية لاستعادة مزارع شبعا التي هي أرض لبنانية

توفيق طه: لكن هل تعتقد أن اللبنانيين مستعدون للمعاناة من جديد في الجنوب، المعاناة من التهجير، المعاناة من تدمير البُنى التحتية في حال قررت إسرائيل الرد
وليد جنبلاط: قلت ووضحت أن حزب الله يتصرف بدقة متناهية كي لا يعرِّض الأمن اللبناني أو اللبنانيين أو الأمن القومي، لكن هذا لا يمنع أيضاً حزب الله من الوقوف موقف دفاع

توفيق طه: الولايات المتحدة تصر على وصف حزب الله بالإرهاب، رغم أنه لم يقم بأي عملية ضد مدنيين، لم يقتُل أميركيين، إلى أي مدى يمكن أن تصمد الحكومة اللبنانية في وجه الضغوط الأميركية بشأن حزب الله
وليد جنبلاط: يعني بهذه المقاييس اليوم العشوائية في العالم آخر بشر يستطيع. آخر شخص يستطيع أن يقول أن حزب الله هو إرهابي. عندما نرى المحاكم العسكرية اليوم في أميركا، عندما نرى اليوم الاضطهاد الذي سيلقاه المسلمون العرب في أميركا، وبدأت حملة التفتيش. حملة التفتيش الكبرى، ويبدو نحن على مشارف تهجير المسلمين من أميركا، ناهيك عن جونتانمو فليسمح لي السيد بوش

توفيق طه: يعني تريد أن تقول إن ما يفعله الرئيس بوش إرهاب
وليد جنبلاط: نعم

في عام 2003 كان جنبلاط يري حزب الله وزعيمه السيد حسن نصر الله معلماً له، ولجميع اللبنانيين من كافة الطوائف ويراه سيد المقاومة وحامي حمي الكرامة العربية، حتي أنه نصح الطلاب اللبنانيين في أحد أحاديثه بقراءة خطابات الامين العام  لحزب الله الشيخ حسن نصر الله للنهل منها لإثراء ثقافتهم السياسية

أما في عام 2004 وخلال احتفال مؤسسة العرفان التوحيدية بتكريم الطلاب الناجحين، أعتبر جنبلاط أن المستقبل هو في تلك البندقية الوطنية والاسلامية من جنوب لبنان (حزب الله) الى النجف ومروراً بالفلوجة (المقاومة العراقية)، محذراً من أنه إذا سقطت البندقية ستكون كرامتنا مسلوبة ورأسنا ذليلاً، ونمشي بأمرة الحاكم المأجور العربي وبأمرة الأميركي والإسرائيلي

وفي العام الذي يليه وبالذات في يناير 2005 وقبل اغتيال الحريري وفي لقاء مع فضائية (العربية)، كانت عينا وليد بيك تري حسن نصر الله بطلاً وسيد المقاومة في هذا الحوار مع المذيعة جيزال خوري

جيزال خوري: حزب الله يقال كان عم يعمل وساطة بين وليد جنبلاط والسوريين, شو صار بهالوساطة
النائب وليد جنبلاط: لا أريد أن أدخل في الحديث عن حزب الله بشكل علني لا أريد, أحترم هذه المقاومة, وسأحمي تلك المقاومة إلى أن تتحرر مزارع شبعا، نتحدث مع أبطال، مع السيد نصر الله الذي هو سيد المقاومة

جيزال خوري: بعده حزب الله حليفك
النائب وليد جنبلاط: مش قصة حليفي، ما فيك تنكري وجود هذه الحيثية الضخمة الجهادية في الوطن العربي والإسلامي يلي إسمها حزب الله

وبعد اغتيال رفيق الحريري في فبراير من نفس العام، وفي ختام زيارته للسيد حسن نصر الله خرج جنبلاط لوسائل الإعلام، ليؤكد أمامها أن الوفاء الحقيقي لرفيق الحريري إلي جانب البحث عمن قتلوه، هو في دعم المقاومة الإسلامية الوطنية حتي تحرير كامل التراب اللبناني، كما كان يفعل الحريري في حياته

وفي موضع آخر أعرب عن تخوفه علي مستقبل المقاومة حين قال: إذا نجح المخطط الغربي بشتى تلاوينه في تجريد وإزالة سلاح المقاومة، فإنه يدخل لبنان في التسوية وهذا هو المشروع، وهو من ثوابت الغرب منذ عام 1958 ولم يتغير

ولم تكد تمر عدة أسابيع علي هذا القول، حتي أخرج البيك من جرابه السحري لساناً جديداً وموقفاً مغايراً، بعدما استكمل الجيش السوري انسحابه من لبنان، وعلي الفور ركب جنبلاط موجة الهجوم علي سلاح حزب الله التي كان يقودها أنصار سمير جعجع وغيره، بزعم أنه من مخلفات النظام السوري ولا بد أن ينتهي ويتم ضمه للجيش اللبناني، ضعيف البنية والتسليح، بغض النظر عن وقوع بعض أراضي لبنان تحت الاحتلال أو التهديد

وساعتها قال موجهاً سهامه إلي حزب الله وأنصاره: نحن أقوى من السلاح الذي يمتلكونه، سلاح الغدر وأقوى من السلاح الذي يدعون أنه للتحرير. وهو ما لاقته المقاومة بالرد علي لسان حزب الله وحركة أمل في يناير 2006 بالقول: لو كان الغدر رجلا لكان اسمه وليد جنبلاط

وبعدما كان يؤكد جنبلاط كما قرأنا في حواره مع الجزيرة المذكور أعلاه، أن حزب الله له الحق في استخدام كل الوسائل السياسية وغير السياسية، ومنها أسر جنود إسرائيليين، لتحرير مزارع شبعا، نسف كل هذا الكلام بعد شهور قليلة، فالجميع لا ينسي حرارة تصريحاته النارية التي نفخها في وجه حزب الله بعدما استخدم هذا الحق في يوليو 2006، ونفذ عملية الوعد الصادق ضد جنود الاحتلال، والتي اعقبتها إسرائيل بشن حربها المسعورة، ووقوف حزب الله موقف الدفاع المشرف منهياً الحرب بنصره التاريخي، الذي لم يردع جنبلاط عن مواصلة حفلة الشتائم والاتهامات، والسخرية من المقاومة في عرائض لسنا بحاجة إلي سرد تفاصيلها المشهورة الآن

فقاقيع الجنبلاطية

وكما أن وسائل الإعلام زاخرة بتصريحات جنبلاط الملونة، فهي أيضاً زاخرة بالمقالات التي تؤيد أو تنتقد هذه التصريحات، التي نورد منها ما قاله الكاتب الصحفي عبد الله ربحي في جريدة الراية القطرية الذي اعتبر أن طبيعة الرجل تصلح لتكون ظاهرة أو مدرسة أسماها ب “الجنبلاطية”، عندما كان ربحي ينتقد عبد الحليم خدام النائب السابق للرئيس السوري بقوله: يمكن أن ينطبق على خدام اليوم، هو أنه أصيب بالجنبلاطية التي تعني فقدان السلطة المؤدي إلى حاله من ضياع البوصلة السياسية، التي تؤدي بصاحبها الى أن يكون العدو الأول لنفسه. لكن أكثر ما يقلق بالجنبلاطية هو أنها تجعل صاحبها يتحالف مع الشياطين، كي لا يفقد أمله في عودة السلطة اليه حتى فوق أشلاء شعبه

تلك رسالة لكل الجنبلاطيين. والمخدوعين من معسكر الحكومة في لبنان

April 15, 2007 - Posted by | سياسة ووجع دماغ

No comments yet.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: