مدونة دواير

المنطقة الخضراء، درة العراق المختنقة


 

خلف أسوار خرسانية عالية تقع المنطقة الخضراء أو حي التشريع سابقاً، على الضفة الغربية لنهر دجلة، كأشد المناطق تحصيناً في العاصمة بغداد، كونها تضم مقر قيادة قوات الاحتلال الأمريكية في العراق، ومقار السفارات الأجنبية والشركات الأمنية المتعاقدة مع الاحتلال

فمنذ دخول قوات الاحتلال الأجنبية أطلق الغزاة على مجمع القصر الجمهوري للرئيس العراقي الراحل، صدام حسين، مسمى المنطقة الخضراء، وباتت المنطقة التي اقتطعت قصراً من أراض العراق لتتحول إلى مدينة أجنبية مستقلة بذاتها تضم: هيئة الأركان الأمريكية، والسفارتين الأمريكية والبريطانية، ومركز وكالة الاستخبارات المركزية – سي آي إيه، وعدداً كبيراً من السفارات الغربية، وعدداً من الشركات الأجنبية التي جاءت مع الغزو، ومقار الحكومة العراقية بما فيها وزارات الداخلية، الإعمار، والإسكان، والهجرة والمهجرين، والدفاع، والنقل، ومبنى البرلمان العراقي، ورئاسة الجمهورية، والمحكمة الجنائية العليا، ومنزل رئيس الحكومة نوري المالكي، إضافة إلى منازل القادة السياسيين والوزراء ونواب البرلمان. تلك المنازل التي يختبئون بها هرباً من الشعب المفترض أنهم يمثلونه

وفي كتابه الحياة الإمبراطورية في مدينة الزمرد، يأخذ راجيف تشاندرا سيكاران، مساعد مدير تحرير واشنطن بوست، القارئ إلى داخل المنطقة ليرى ذلك العالم المختلف، وتلك البقعة التي تحيط بها الأسوار العالية في قلب بغداد ويسميها هو أمريكا المصغرة، حيث تتباين الحياة في العراق ـ داخل تلك الأسوار وخارجها ـ على نحو صارخ

يقول سيكاران: إنه يكتب عن العالم المضحك المبكي داخل هذه المنطقة، التي تحتوي ما لا يقل عن ست حانات لاحتساء الخمر، وملهى ليلي في فندق الرشيد، وفصول لتدريس الرقص الأمريكي، ومطعمان صينيان، ومقهى. حيث أدخلت شركة هاليبرتون إلى هناك عشرات السيارات الضخمة الفارهة التي يتجول بها القاطنون في المنطقة على شوارع فسيحة. بل إن الأمريكيين لم يكتفوا حتى أنشئوا أيضاً محطة إذاعية داخل الخضراء لتبث الموسيقى والأغاني الأمريكية الرائجة

والمنطقة الخضراء، كما يقول المؤلف، منعزلة تماماً عن عالم العراق خارجها. وأبسط دليل على ذلك أن درجة الحرارة داخل مبانيها لا تتجاوز عشرين درجة مئوية، في أوج لهيب الصيف الحارق، بفعل مكيفات الهواء التي لا تنطفيء. بينما وعلى بعد أقل من خمسين متراً، تزيد درجة الحرارة عن أربع وخمسين درجة مئوية. إذ لم تكن مدينة الزمرد مرتبطة بشبكة المحولات الكهربائية العراقية، بل لها محطة توليد خاصة تدار بالديزل، وتعادل في الحجم منزلاً صغيراً، تغذي المنطقة وتبقي الأجهزة الكهربائية ‏فيها عاملة بلا توقف

وحول السبب في تسمية المنطقة بالخضراء، يرى متحدث باسم الجيش الأمريكي: أن التسمية جاءت نظراً إلى كون هذه المنطقة من أكثر المناطق أمناً، مضيفاً: أختير اللون الأخضر في التسمية كونه يرمز للأمن. وتتعدد وسائل الحماية والتأمين التي كفلها الاحتلاليون للمنطقة التي اتخذوا منها مخبأهم الأخير. فهي محاطة بعوارض كونكريتية ضخمة طول الواحدة منها أكثر من مترين، وتطوقها كل أشكال الدبابات والآليات والمجنزرات، كما تحوم فوقها ليل نهار أشكال عديدة من طائرات الهليكوبتر المهاجمة على رأسها الأباتشي، فيما تتوزع مسؤولية حفظ الأمن بين القوات الأمريكية وقوات الحكومة العراقية في الداخلية والدفاع

ولا يستطيع أي إنسان أن يدخل المنطقة الخضراء إلا بعد المرور عبر عدة حواجز، يتعرض خلالها لتدقيق شرس، يتساوى فيه الجميع، وزراء ونواب وحراس، حتى أن نوري المالكي نفسه لا يستطيع مغادرة مكتبه إلى أي موقع آخر داخل المنطقة، إلا بعد إخطار أجهزة الأمن الأمريكية مسبقاً وقبل يوم كامل حتى تتخذ احتياطاتها الأمنية اللازمة لتأمين حياته. وعلى الرغم من كل هذه الجهود الأمنية والتحصينات، فإن الحرب التي عمت أرجاء العراق أبت إلا أن تلج المنطقة الحصينة بطرق وأشكال عديدة. ففي 12 إبريل الماضي، فجر شخص نفسه في مطعم بمبنى البرلمان مما أدى إلى مقتل نائب عراقي وجرح حوالي 20 آخرين. ولم تسلم المنطقة الخضراء من ويلات السيارات المفخخة والهجمات التفجيرية أو حتى قاذفات الهاون والمورتر التي صارت تصلها بشكل يومي. ومن وقت لآخر تصل المنطقة التي أحاطها الأمريكيون بسياج من الحماية الشديدة وأمدوها بكل التجهيزات، رسائل تهديد، وقنابل يدوية، وأحزمة ناسفة، وسيارات مفخخة

ويقول العاملون في المنطقة: إن الهجمات على الخضراء زادت وتيرتها بشكل كبير في الفترة الأخيرة، وقد باتت تلك الضربات أكثر دقة في إصابة أهدافها. ولم يستطع ‏الأمريكيون بكل قواتهم وعتادهم الاحتفاظ بوصف الخضراء الذي خلعوه على منطقة القصر الجمهوري، بل صارت هجمات الهاون والمورتر المخضبة بلون الدماء، أمراً يتكرر يومياً. وخلال زيارته الأولى إلى البلاد لم يستطع الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، أن يكمل مؤتمره الصحفي المشترك مع رئيس الحكومة، نوري المالكي، في مقره بالمنطقة الخضراء. إذ دوى انفجار ناجم عن قصف بالهاون لم يجد كي مون أمام هوله إلا أن يحتمي بالطاولة التي أمامه، الأمر الذي دفعه إلى القول: إن البقاء في العراق يعد ضرباً من الجنون. وبينما كان المالكي أيضاً يجري محادثاته، 8 مايو الماضي، مع نائب الرئيس الأمريكي، ديك تشيني، في مقر السفارة الأمريكية، إذ باغتهم انفجار هائل اهتزت له أركان السفارة واعتبر في حينه كرسالة ترحيب من نوع خاص وجهها المقاومون إلى الزائر الكبير. ما دعا تشيني إلى القول: إن العراق لا يزال مكاناً خطيراً جداً

وفي مقابلة له مع شبكة إيه بي سي التلفزيونية الأسترالية، 23 مايو، وصف وزير الخارجية الكردي، هوشيار زيباري، المنطقة المحصنة بعيون أمريكية بأنها المكان الأكثر خطورة في العراق. وأضاف: إن تلك المنطقة باتت في هذه الأيام هي أكثر مناطق العراق خطورة، وإن كل الأماكن خارج المنطقة الخضراء أكثر أمناً منها. وفي يوم 11 يونيو الحالي، طيرت وكالات الأنباء خبراً طريفاً تحت عنوان: تزايد طلب أدوية الإسهال في المنطقة الخضراء. أكد فيه عدد من تجار الأدوية أن كميات إضافية من الأدوية ‏التي تعالج الإسهال تم شحنها إلى بغداد دون توضيح السبب. إلا أنه وبعد التدقيق وجد أن هناك طلباً ‏شديداً عليها بالمنطقة الخضراء، في الفترة الأخيرة، بعد أن أصيب عدد كبير من الجنود ‏الأمريكيين والمسئولين بحكومة المالكي بحالات إسهال مزمنة بسبب الاضطرابات النفسية العنيفة ‏من جراء تكرار قصف المقاومة للمنطقة التي يعيشون بين جدرانها

وفي رد فعلها على الهجمات المتزايدة، نصحت السفارة الأمريكية العاملين فيها يوم 28 مارس الماضي، ‏بارتداء الستر الواقية والخوذات عند الخروج إلى المناطق المحيطة بالسفارة. وطلبت توجيهات صادرة يوم الثالث من مايو الماضي من سكان المنطقة البقاء في مواقعهم وتجنب الخروج. ومضت توجيهات يوم 19 مايو أبعد من ذلك، إذ قالت إن الخروج محظور إلى إشعار آخر، وطلبت إغلاق بعض الأماكن وبينها بحيرة القصر تحسباً من خطر نيران غير مباشرة، وهو تعبير يستخدم لوصف الصواريخ وقذائف الهاون

June 28, 2007 - Posted by | سياسة ووجع دماغ

No comments yet.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: